مركون

أ. أنوار فاهد مخلد(*)

أخذت اليدين ذات التعرجات الكثيرة والعروق البارزة، ذلك الجهاز المركون على الطاولة في زاوية غُرفة المعيشة، لتحمله بحنان إلى الكرسي المجاور. حرّكت الأنامل الدافئة القرص الدائري على الجانب الأيمن للجهاز بثلاث دورات متتالية حتى بدأ الصوت يصدح من ذلك الجهاز، بتلاوة هادئة عطرة منآيات القرآن الكريم، قبل أن يحين موعد أذان العصر.

كان قُرب جهاز المذياع، ساعةٌ ذكية تحمل في أحشائها الكثير من المحتويات العصرية التي تضاهي في قُدرتها جهاز التلفاز والهاتف المنزلي والمذياع الهرم في غُرفة المعيشة، وُضعت على الطاولة الصغيرة المُقابلة للكرسي الخشبي المحشو بالإسفنج المريح.

وبعد آذان العصر الذي علا أرجاء صالة المعيشة، أُغلق المذياع، ورحل صاحبه مُتجهاً كعادته إلى المسجد القريب من البيت. في تلك الأثناء عمّ الهدوء أرجاء غُرفة المعيشة، فكُل الساكنين في هذا البيت اتجهوا لغرفهم للصلاة والراحة قبل وقت الاجتماع على قهوة العصر بعد نصف ساعة من موعد الأذان.

بدأت الساعة حديثها مُرحبةً بجموع الأشياء حولها بفخر، قائلة: يسرني التعرف إليكم أهل البيت، أعرفكم بنفسي، ساعة تكنولوجية حديثة الإصدار بدأ بارتدائي الجد سالم بالأمس بعد أن أهداه حفيده الأصغر والمسمى على اسمه أيضاً سالم. ردّ المذياع السلام بوقار وبدأ يُعرّف الساعة على بقية الأجهزة، ومنها هاتف البيت والتلفاز.

ضحكت الساعة باستهزاء حينما سمعت الهاتف يتحدّث عن وظيفته في هذا البيت، مما جعل الهاتف يعود لصمته الطويل حُزناً على جيل الاتصالات الجديد. قالت الساعة لهاتف البيت بكبرياء: أيها الشيخ الكبير، ألا زلت تعتقد أنك تعمل بعمل يجعل حياة الناس أيسر وأسهل؟ إن كنت كذلك، فاسمح لي والحقيقة يجب أن تُقال، أنا ساعة يد ويمكنني أن أعمل عملك أضعافاً مضاعفة! استرح في مكانك كتحفة أثرية، ودع لنا نحن الصغار مجالاً العمل!

رد التلفاز على ساعة اليد قائلاً: ساعة اليد، تمهلي ولا تستهيني بقدرة هاتف البيت، فقد شهدت بقدومي لهذا البيت في أول يوم عمل لي، عمله الرائع ليلاً ونهارا، لم يكن أحد يستطيع أن يتخلى عن خدماته! فلا تغتري بقدراتك يا صغيرة، فهو قد عمل وأدّى وأخلص، حتى أصبح الآن مُرتاحاً في ركنه شامخاً بتاريخ عمل عريق.

أخرج المذياع تنهيدة حزينة اختلطت معها المشاعر بين اهتمام وحُب، ليشارك في الحوار قائلاً: ابنتي الصغيرة ساعة اليد، أنظري إلىّ.. لقد بلغت آخر عمري ولا زلت أقدم للجد سالم خدماتي رغم تعبي وهواني، فحينما يحملني بيده ويحرك أقراصي للعمل، أشعر في يديه حناناً كبيراً لسنوات قضيناها أنا وأنامله معاً، نُقلب العالم بأقراصي بين أخبار وأشعار وأذكار، وقتها لم يكن لهاتف البيت والتلفاز وجود هنا! انظري إليّ جيداً، رغم تلك السنين ولازال يُقدّر عملي، فالعبرة بُنيتي الجميلة النشيطة أنّك ستكونين يوماً مكاننا، عجوزٌ أدت أعمالها بكل تفاني، وتتحولين إلى جهاز مركون، لن تُعطيك التكنولوجيا الأحدث وقتها مجالاً إلا أن تصبحي تحفة فنية فريدة بتاريخ عمل عريق.

أخرجت الساعة أصوات بتنبيهات عبّرت عن أسفها الشديد لقلّة بصيرتها وشغفها الأناني للعمل بأحدث ما جُهّزت به، واعتذرت للأجهزة العتيقة في صالة المعيشة، قائلة: تسرّعت بالحكم، ونسيت رُغم تطوري وحداثتي بأنّ كُل الأشياء مصيرها الهوان والركون! أجاب المذياع: نعم، فهذا حال الدُّنيا ليس مع الإنسان فحسب، بل كُل شيء، أتعلمين بأني علمت بقدومك منذ الأمس، وقد سمعت من الحفيد سالم، أنك تستطيعين أن تعملي عملي! ردت الساعة بحماس قائلة: نعم، فلدي مذياع إلكتروني.

ضحك المذياع مُمازحاً بقية الأجهزة، قائلاً: وأخيراً سأرتاح وأعود لحالة الركون والتأمل رغم حُبي الشديد لأنامل الجد العزيز سالم. استكملت الأشياء حديثها حتى حان وقت القهوة واجتمع أهل بيت الجد في صالة المعيشة، يتناقشون حول عمل الساعة الإلكترونية الجديدة التي وُضعت على يد الجد سالم.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(*)قسم الإدارة والتخطيط التربوي

كلية التربية –  جامعة الكويت

مدينة صباح السالم الجامعية

 

 

 

 

 

عن Saadiah

شاهد أيضاً

دائرة الضوء؛ الحصة الأولى

أحمد ناصر السميط/ في يوم من أيام نوفمبر 2010 دخلت الفصل الدراسي لتقديم أول حصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *