الرئيسية / مقالات سعدية مفرح / محمد صلاح.. كل هذه البهجة

محمد صلاح.. كل هذه البهجة

يرسل الله البهجة الجماعية أحيانا على هيئة بشرٍ يعرفون كيف يخترقون قلوب الناس حولهم ببساطة آسرةٍ، بمجرد أنهم يجيدون ما يفعلونه، فيفعلونه بحبٍّ وإخلاص. ويبدو أن اللاعب المصري الشاب محمد صلاح الذي لمع نجمه خلال فترة قصيرة، بعد انضمامه لأحد أعرق الفرق الكروية الإنكليزية أحد هؤلاء البشر.
نجح هذا الشاب البالغ 25 عاما في خطف الأنظار والقلوب خلال شهور قليلة، ليس لطريقة لعبه المميزة، ولا لقدرته الرهيبة في تسجيل الأهداف وحسب، بل أيضا لتعاملاته الأخلاقية الراقية داخل الملعب وخارجه أيضا.
محمد صلاح، أو مو كما يسميه محبّوه، لم يعد مجرد لاعب موهوب يعرف جيدا كيف يرسل الكرة إلى شباك الخصم بأسرع الطرق، وأجملها، وأكثرها قدرةً على إثارة الدهشة في قلوب عشاق اللعبة الأولى في العالم وحسب، بل تحوّل خلال أشهر قليلة إلى أيقونة جميلة في الساحات والمدرجات الكروية، ومصدر إلهام للشباب في العالم. ولم يعد غريبا أن تؤلف الأهازيج الشعبية باسمه، رابطة إياه والدين الإسلامي، بسحنته العربية، ولحيته الكثة، وسجدته بعد كل هدف يسجله، وكنيته المميزة “أبو مكة”، نموذجا للشاب المسلم تحديدا! فصلاح الذي لم يتخلّ عن التزامه الديني، بعد أن أصبح نجما عالميا، انطلاقا من الدوري الإنكليزي، بقي نموذجا لافتا للشاب المسلم في صورته النموذجية المشرفة.
وربما لهذا كله ثارت الجماهير المصرية والعربية قبل أسبوع تقريبا، غضبا من مقالة لكاتب صحافي مصري كبير، طالب فيها محمد صلاح بالتخلص من صورته التي انطبعت في قلوب الجماهير في العالم مسلما، عبر التخلص من لحيته، والتي رأى فيها هذا الكاتب ما يذكّر العالم بالصورة التقليدية للإرهابي المسلم.
قال الكاتب، في مقاله الذي كتبه على هيئة رسالة مفتوحة أرسلها إلى اللاعب العالمي الشاب، إن محمد صلاح لم يعد “مجرّد لاعب كرة، لكنه أصبح نجماً تتابع الملايين أخباره، وهي نجوميةٌ لها تبعاتها التي تبدأ بضرورة أن يحافظ على موهبته وصحته وضرورة حاجته إلى “نيولوك” يتغير به شكله أمام محبيه”. وأضاف، في ما يبدو كأنه إملاء على لاعبٍ بدأ شهرته الحقيقية خارج بلده، وبمعزل عن أي تلميع صحافي محلي؛ “يجب أولاً أن يحلق لحيته الكثيفة التي لا تتناسب مع سنه أو نجوميته، والتي تكاد تضعه، من حيث الشكل على الأقل، في سلةٍ واحدةٍ مع المتطرّفين المتزمتين، إن لم تضعه مع الإرهابيين أو المتعاطفين معهم على الأقل. وبعد هذا، فإن عليه أن يعيد النظر تماماً في تسريحة شعره الكثيف الذي يبدو مهوشًا ومنفوشًا، وكأن الحلاق لم يعرف طريق شعره منذ سنوات”.
من الجميل أن وعي الجماهير تجاوز وعي هذا الكاتب المخضرم، بغض النظر عن خلفياتهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية، فقد قوبل المقال بهجمةٍ مرتدةٍ عنيفةٍ من جماهير اللاعب، حيث أجمع كل من علق على المقال تقريبا، على رفض هذا الربط الغريب والمريب بين اللحية والإرهاب، واعتبروه نوعا من التدخل غير المعقول، ولا المقبول في خصوصيات اللاعب، وتعديا صريحا على حقه وحده باختيار المظهر المناسب له، ما دام مظهرا مقبولا جدا، ولم يخرج فيه عن منظومة الأخلاق العامة.
الغريب أن الكاتب المخضرم لم تزده آراء الجماهير الغاضبة، والواعية في الوقت نفسه، إلا إصرارا على فكرته الساذجة في الربط ما بين الشكل والمعنى بطريقةٍ تقليديةٍ، فقال، في تبرير لاحق لمقالته، إن “مصر تواجه حرب إرهاب، وهو ما يتطلب منا بالضرورة التفكير في كل ما نمارسه ونقوم به، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: لماذا نجسد هذه الصورة في رمز من رموزنا؟”، وقد استدعى هذا الربط الساذج ربطا آخر، بادرت إليه جماهير نادي ليفربول الإنكليزي الذي يلعب صلاح بين صفوفه، عندما قاموا بتأليف أهازيج كروية شعبية، تتغنى باللاعب وبديانته أيضا، حيث رأوا الدين الإسلامي كما قدمه لهم صلاح، على حقيقته دينا للسلام والجمال والمحبة والعدل، ولم يلتفتوا للحية صلاح إلا باعتبارها خياره الحر.

عن Saadiah

شاهد أيضاً

لوحة للفنان صفوان داحول

على هامش الموت والذكريات

سعدية مفرح/ ما الذاكرة؟ وما الذكريات؟ وما الماضي؟ ما الزمن الذي يمكن أن نعرف من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.