الرئيسية / مقالات سعدية مفرح / في ذكرى الغزو: آخر الحالمين كان!

في ذكرى الغزو: آخر الحالمين كان!

3 أغسطس 2017

هل مضت سبعة وعشرون عاماً على ذلك الفجر الأسود حقاً؟

لا أزعم أنني أتذكّر كل تفاصيل الأيام الموجعة التي عشناها في الكويت سبعة أشهر من الاحتلال الذي لا يكاد يشبه احتلالاً آخر، في تواريخ الأمة على الأقل، لكنني لن أنسى أبداً شعور اللوعة الممزوجة بدهشة الفزع التي شعرت بها، وأنا أستيقظ على جلبةٍ صاخبةٍ في بيتنا، صاحبت خبر غزو العراق الكويت، صبيحة الثاني من أغسطس/ آب 1990، ما بين مصدّق ومشكّك ومكذّب ما تبثه الإذاعات.

كانت الأجواء، خلال الأسبوعين الأخيرين، ملبدة بغيوم الإشاعات المتشائمة، لكن التشاؤم لم يكن ليبلغ مدى ما حدث حقاً.

لم يكن أحد ليتخيّل أن الشقيق يمكنه أن يطعن شقيقه بهذه القسوة القاتلة، حتى أن أسوأ الاحتمالات التي كنت أسمعها في صالة تحرير صحيفة الوطن، حيث كنت أعمل، لم تكن لتتجاوز احتمال المناوشات الحدودية البعيدة، وحتى من روّج ذلك الاحتمال كان يضعه في نهاية سيناريو طويل جداً يمكن أن يحدث.
قبلها بساعات، كنت أتلقط الأخبار الأخيرة من إذاعة “بي بي سي”، وأنا أكتب إهداءات على نسخ من أول كتاب شعري، صدر لي قبل أيام فقط. أعددت النسخ التي كنت أنوي توزيعها على بعض الأصدقاء والزملاء في الغد، ووضعتها في مغلفاتٍ كتبت على كل منها اسم المهدى إليه، وبعد أن انتهيت من المهمة التي ملأتني شعورا بالفرح، وكثيرا من الحماسة التي طغت على مخاوفي مما أسمع من الأخبار، نمت على حلمي الشعري الأول، لأصحو على خيبتي الأولى.

كان الطريق من مدينة الجهراء، حيث أقيم، إلى شارع الصحافة في مدينة الشويخ، حيث يقع مبنى الصحيفة، طويلاً، وفقاً لمقاييس الجغرافيا الكويتية، على الرغم من أنه لا يستغرق يومها أكثر من ساعة، لكنني اجتزته صبيحة يوم الغزو بساعتين تقريباً.

كان الشارع يبدو غريباً في ملامحه التي سرعان ما اكتست بطابع عسكري بحت، عزّزه خط طويل من الدبابات التي كانت تحفر طريقها على الإسفلت من الجهراء نحو قلب الكويت، حيث العاصمة.

 

لم أكن لأميز هوية الدبابات التي كانت تسير بمحاذاة سيارتنا، حتى أنني ظننت أنها دباباتٌ تابعة للجيش الكويتي في البداية، لولا انتباهة خاطفة إلى العلم العراقي الذي كان يرفرف في مقدمة أقرب دبابة، كانت تسير إلى جانبنا. يا إلهي. غزو حقيقي إذن، وها أنا أسير في ما يشبه السباق مع قوات الغزو باتجاه القلب.
أي أفكار كنت أفكر فيها في تلك الدقائق التي تبقت في طريقي، قبل أن أصل إلى مقر العمل؟ لا أتذكّرها، لكنني ما زلت أستشعر ملوحة دموعي في حلقي، وأكاد أشعر بها، وهي تتساقط الآن على شاشة الآيباد الذي أكتب بواسطته هذا المقال.

عندما خرجت من باب المصعد، في الدور الأول من المبنى، حيث توجد صالة التحرير، كان معظم الزملاء تقريباً بانتظاري. ولم أكد ألقي التحية حتى بادرني رئيس التحرير بالسؤال عمّا رأيت في الطريق؛ إلى أين وصلوا؟ هل رأيتهم يا ابنتي؟

كنت الوحيدة من الزملاء في ذلك اليوم التي قدمت من الجهراء، أقرب مدينة كويتية إلى الحدود العراقية تقريبا. ولهذا كانوا ينتظرون قدومي تحديدا، ليتأكدوا مما كانوا يسمعونه من الإذاعة عن اقتحام القوات المحتلة الحدود الكويتية. قلت لرئيس التحرير بصوت تخنقه عبراتي؛ افتح النافذة لتراهم، لقد سبقوني.

هرع الجميع إلى النافذة فعلاً، ليروا ما لم يكن أشدّهم تشاؤماً قد توقّع حدوثه بهذه السرعة. كان الاحتلال قد أصبح واقعاً ثقيلاً، منذ ضحى ذلك اليوم الذي أزعم أنه أسوأ أيام حياتي كلها. عندما عدت إلى البيت عصراً، كانت نسخ كتابي الأول ما زالت في حقيبتي.

أخرجتها وأنا أفكّر بالسبب الذي جعلني أصرّ على اختيار ذلك العنوان التقليدي لها؛ “آخر الحالمين كان”، ولم أكن متأكدةً أنني كنت أعني جيلي كله بذلك العنوان البئيس.

عن Saadiah

شاهد أيضاً

لوحة للفنان صفوان داحول

على هامش الموت والذكريات

سعدية مفرح/ ما الذاكرة؟ وما الذكريات؟ وما الماضي؟ ما الزمن الذي يمكن أن نعرف من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.