‫الرئيسية‬ فواصل غواية الكتابة

غواية الكتابة

سعدية مفرح/

بقدر ما تخفف الكتابة من أحزاننا تجعلنا نمضي في خضم تلك الأحزان ولا نبالي، إلى الدرجة التي نندمج فيها معها وربما نحبها. هل يجعلنا سحر الكتابة نحبّ أحزاننا أحيانا. ربما .. ما دامت الكلمات قادرةً على تصفية أرواحنا مما علق بها من شوائب من تداعيات تلك الأحزان، وتركنا في مواجهتها وحدنا وبقوة الروح الذاتية وحسب. يكفي أنها قادرةٌ على استدراجنا، في خضم تلك الأحزان، وربما الأفراح أيضا، إلى منصة الاعترافات السرّية، لنقول كل شيء من دون أن نخشى أحدا. توهمنا بقوة ما فنستسلم للوهم اللذيذ ونمضي.
أي سرٍّ في الكلمات يجعلك تنثال في اعترافاتك السرية، على الرغم من أنك تعرف تماما أن قارئا ما سيطّلع على ما تكتب؟ تتجاهل هذا القارئ المحتمل، وأنت تستسلم لغواية الاعتراف وما توفره لك من راحةٍ آنيةٍ فتمضي رحلتك مع الكلمات بأمان، على الرغم من روح المغامرة التي تتلبسك ساعتها.
مرّات كثيرة فوجئت بقرّاء يذكرونني بأشياء كتبتها في مقالاتي، وكنت أتحفّظ في الحديث عنها علنا في حواراتي الصحافية والتلفزيونية، وحتى في حياتي اليومية بعيدا عن الكتابة. ولكن يبدو أن التحفظ يزول، عندما تكون وسيلتي هي الكتابة. حتى أن صديقةً مقرّبة لي سألتني، قبل فترة، عن أمرٍ معين، يتعلق بحكايةٍ تعود إلى سنوات مراهقتي. استغربت لحظتها أنها تسألني عن هذا الأمر، وعن الحكاية المتصلة به. قلت لها بما يشبه الانزعاج؛ من أين لك بكل هذه التفاصيل؟ من أخبرك بها؟ لا أتذكّر أنني حدثتك عنها سابقا طوال معرفتي بك. وأنا أساسا لم أكن قد تعرّفت عليك، عندما عشت تفاصيل تلك الحكاية. كنت، في أسئلتي المتلاحقة لها، أبدو وكأنني أتهمها بالتجسس على خصوصياتي في الماضي، وهذا ما أشعرني بالانزعاج. لكنها ضحكت مندهشة من انفعالي الواضح، قبل أن تقول إنها قرأت ذلك كله في مقالةٍ كتبتها ونشرتها قبل سنوات. نعم؟ هل أنا كتبت لكل القراء فعلا ما انزعجت من مجرد معرفة صديقتي المقرّبة به؟ .. تذكّرت المقالة التي أشارت إليها الصديقة، لكنني للحظات توهمت أنني أبدا لم أتطرّق فيها لتلك التفاصيل الحميمية الخاصة، فليس من عادتي أبدا التطرق لخصوصياتي ومشاركتها مع الآخرين، مهما كنت قريبة منهم وواثقة بهم. حتى أنني عدت إلى المقالة في أرشيفي سريعا، فاكتشفت أنني كتبت فيها كل شيء فعلا. واضح أنني كنت لحظتها أخضع لجرعةٍ مضاعفةٍ من جرعات سحر الكتابة وغواياتها التي لا تنتهي، ولا قدرة لنا على مقاومتها، بل لا نجد أنفسنا، نحن الخاضعين لذلك السحر المقيم، بلا رغبة في مقاومتها أصلا.
إنه سحر حقيقي وغواية فعلية، إذن. وأنا أعترف بهما وبخضوعي لهما وبتأثيرهما الطاغي علي. في ذلك السحر المهيمن ما يجعلنا نتعرّف على ذواتنا بمنتهى الصدق. وفي تلك الغواية التي نخضع لها بمزاجنا الخاص، وبإرادتنا الحرّة، ما تعدنا به من راحة وشعور بالتخفّف مما يثقل كاهلنا من حكايات وذكرياتٍ نحبها أو نكرهها. شعور التخفّف هذا يشبه الشعور عندما تبادر إلى تنظيف بيتك أو غرفتك الخاصة أو خزانة ملابسك، أو حتى أدراج مكتبتك من “الكراكيب” الكثيرة التي تجعلك غير قادرٍ على الاستمتاع بأشيائك الجميلة، وأحيانا لا تستطيع أن تجدها في اللحظة التي تريدها فيها من بين تلك الكراكيب الكثيرة. ولهذا، تشعر براحةٍ خفيةٍ، وشعور بالخفّة عندما تتخلص من تلك “الكراكيب”، وربما هذا أحد أسرار حب الكتابة لدى من يحبها!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

حرية التعبير على الطريقة الفرنسية

سعدية مفرح/ ثاني أسوأ تصريح فرنسي صدر في خضم أزمة الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للنبي محمد،…