‫الرئيسية‬ ماء الحوار د. سعاد الصباح: وُلدت وفي أعماقي امرأة لا تعرف الحذر أو الخوف
19 أغسطس، 2018

د. سعاد الصباح: وُلدت وفي أعماقي امرأة لا تعرف الحذر أو الخوف

 

 سعدية مفرح/ 1فبراير2005: تذكرت وأنا أضع أسئلة لهذه المقابلة ما كنت قد كتبته عن الشاعرة ذات مقال (امرأة تبدأ بإصرار يشبه السكين في رهافته وحدّته.. رحلة شعرية صعبة، رغم أنها تملك أداتها الأولى حيث الموهبة قرار الممارسة، وحيث الوعي بهذه الموهبة وحدودها خطوتها الأولى نحو تحققها الأخير، ورحلة إنسانية أصعب رغم أنها تسير خلالها على طريق مفروش بالمجد العائلي التليد المسيج بزهو السلطة الموروثة ورفاهية الثراء الموروث أيضًا، فالصعوبة عنوان الطريق وعلى حديها الأدنى والأعلى توزعت مقولات الشاعرة المعلنة وغير المعلنة.

هكذا، إذن، وجدت سعاد الصباح نفسها، وفقا لتفاصيل الرحلتين، وهي تعلن ذاتها شاعرة تخوض في تضاريس دقيقة من الشعر والتاريخ والسياسة والنقد والعائلة والحب والوطن في هويته المحلية وهويته القومية، وما يمكن أن يكون خيطًا تنتظم فيه كل هذه المفردات دون أن تطغى مفردة على أخرى تحت وطأة هاجس ما…).

وجاءت الإجابات لتقترح علي مزيدًا من الأسئلة؛ (وُلدت وفي أعماقي امرأة لا تعرف الحذر أو الخوف أو السكينة، والتمرد كان سمة روحي…) تقول الدكتورة الشاعرة سعاد الصباح في إجاباتها، وتتساءل: تُرى هل خمد؟!)، ولعل قراءة لآخر إنتاجات الشاعرة تجيب بالنفي، وتقترح الجديد.

هنا لقاء مع الشاعرة الدكتورة سعاد الصباح حاولنا من خلاله الولوج إلى عالمها الشعري والإنساني:

 

مغامرة الشعر

*كيف انبثق سؤال الشعر تحديدًا لديك، وهل لنا أن نتحدث هنا عن مصادر ومرجعيات زرعت في مراهقتك بذرة الشعر؟ وهل لنا أن نعرف من هم شعراؤك وكتّابك المفضلون في تلك المرحلة؟

أنت شاعرة مبدعة. قولي لي كيف تعرف الشاعرة أنها قد ولجت المغارة. أتذكر: كنت أردد في الليل ما يشبه الترنّمات، وفي النهار رحت أخربش على الورق ما يلح على الذاكرة من لحن. لم أكترث كثيرًا لذلك حتى أمسكت مدرسة الرياضيات بي متلبسة بالكتابة.

قرأت ثم قالت لي فيما يشبه الهمس الحميم: أنت تكتبين شعرًا. ولم أجب، ولم يكن لدينا الكثير لنتسلى به ونسري عن أنفسنا عبق أنفاس الليل. رحت أكتب حتى عرف والدي بأمري، فشجعني وزاد من جرعة الشعر في الكتب والمجلات التي كان يحرص على جعلها زوّادة البيت.

ومنها عرفت الشعراء واتصلت بروحي نسائم القصيدة الجديدة عبر مجلة الرسالة المصرية، وكانت يومها أعرض المنابر للفكر في الأدب والنقد وللقصيد. كما كان العراق يومها أقرب البحيرات الشعرية إلى مذاقنا وأوسعها أنهارًا بفضل بدايات حركة الشعر الجديد فيه. لقد كان الاتصال الثقافي بيننا وبين عراق الخمسينيات واسعًا ومؤثرًا وقريبًا. ثم جاء السفر ليمنحني فرصة العمر في التعرّف إلى الشعر الغامر دنيا العروبة في لبنان والشام ومصر وفي المهاجر، وفي التعارف مع شعراء كانوا كوكبة الضوء في عصرهم من أمين نخلة إلى الأخطل الصغير وصلاح لبكي. وحين التقيت بشعر المهجّريين، أدركت أن البحار التي باعدت بينهم وبين وطنهم قد زرعت في صدورهم الوطن، ومعه رشاقة وجدة في الكلمة الشعرية.

عندما أتيح لي أن أقرأ إيليا أبو ماضي وشعر جبران المنثور ومطالع شعر نزار قباني، وقد بدأ يزهو في الأوراق الجديدة، أقبلت على القراءة في نهم لا يشبع صاحبه ولا يرتوي.

بالطبع كان شوقي وحافظ إبراهيم ملء السمع والعين، كذلك طه حسين والعقاد والمازني. لقد أعطاني السفر في رحلاته، ثم في استقرار في لبنان ومصر، فرصة العمر لإغناء روحي، وقد غنيت.

وعلي الاعتراف بأنني لم أكن صبية هادئة أو مستكينة. لقد ولدت وفي أعماقي مهرة لا تعرف الحذر أو الخوف أو السكينة. التمرّد كان سمة روحي (ترى هل خمد؟) في كل ما أقدم عليه كتابة أوحديثًا أو سلوكًا. كنت أحسّ بأني مسكونة بالعاصفة وأن الزمان هو زماني. كنت أحسّ بثقة كبيرة بنفسي، فما أقرره أعلنه وما أعلنه أفعله، مادام ذلك في حدود قررتها لما يجوز ولما لا يجوز. ولم أخضع للمعادلات المنصوبة كالشراك في وجه المرأة، لذلك كنت ثائرة حقيقية على كل ما يقيد حقي. وقد ساعدني أن يكون لي الزوج / الخيمة؛ يفهمني ويقبل ثورتي وينصرني على كل محاولة لجعلي امرأة رمادية. كان عبدالله المبارك ناصري الأول وسندي، فازددت به قوة وغنمت بفروسيته رهان القتال.

*ألم تخشي أن تكون الآراء النقدية المشجعة لتجربتك الشعرية في بداياتك متأثرة بوضعك الاجتماعي المتميز؟ وهل كانت تلك الآراء المبكرة متأثرة فعلا بذلك الوضع وفقا لتقويمك الراهن؟ وهل تتذكرين أبرز ما كتب عنك في تلك المرحلة، ومَن كتبه، وكيف تلقيت تلك الكتابة؟

يجب الإقرار بأن كتاباتي قد جوبهت بحالتين؛ القبول الاعتيادي حيث عوملت كلماتي شأن كل شاعرة جديدة. والحالة الثانية كانت مزيجًا من تشجيع ومديح مشوب بواقعي سلبًا وإيجابًا. أي أن بعض ما قيل كان مديحًا بأكثر مما أستحق، وبعضه كتابة أو حديث دواوين كان ظالمًا دون حق.

لعل هذا ظل حال النقد معي طويلاً حتى توقف النقّاد الحقيقيون عند تجربتي، فكانت الآراء المنصبّة على التجربة بدل الخطأ المزدوج في التعامل مع صاحبتها أولاً ثم معها. في الحالين عانيت، فأنا لا أريد في تجربتي كلامًا يرفعها إلى درجة الإعجاز، ولا أريد أن يظلمها أحد بوازع غير نقدي وغير عادل أيضًا. لقد كانت تلك الحقبة مضطربة عمومًا، ولم أعبأ خلالها بما يقال، حتى وإن كان سكرًا وأرزًا مسكوبًا، لذلك لم أحتفظ بورقة واحدة مما قيل عني في تلك المرحلة، ولم أكن لأعنى كثيرًا بما يقال. ولم أكن مستعدة للتوقف لحظة واحدة عمّا أريد وعمّا أقول، لذلك مضيت إلى شئوني دون أن أسمح لأغصان الشجر بإعاقة نهر الأمل والإبداع.

فتافيت التحول

*شخصيًا أرى أن مجموعتك الشعرية (فتافيت امرأة) تعتبر مفصلاً مهمًا واضحًا جدًا في تجربتك الشعرية حيث انتقلت من خلالها إلى مرحلة جديدة في كتابة النص الشعري. فهل توافقينني على ذلك؟ وما ظروف إنتاج تلك المجموعة بالذات؟

– لو عدت إلى التذكر لما أدركت الجواب. إن حياتي كانت من العمق والتجارب في الأزمنة والأمكنة وفي تلاحم المشاعر واضطرابها المولد للشعر بحيث يستحيل علي الوقوف لتفصيل المراحل. لقد تأثرت كثيرًا بتجارب الشعراء التي راحت بيروت تهطل بها من سماء الشعر العربي مولدة ثورة في الكلمات وفي الشكل الشعري المدهش. بيروت هنا، ومرة أخرى، عادت إلى لعب دورها كناموس للشعر، وقاموس جديد لحروفه المولودة من شعراء عرب حملوا هويات العراق والشام وفلسطين. لقد فتحت المغارة أبوابها من جديد ليطلع الشعر مسكوبًا كالورد والبندقية والسكين في حياتنا. وضمن هذا الزخم المتناسق مع رديفه في أوربا، ولندن تحديدًا، ولد إنسان شعري جديد في مئات الصدور والأصوات، ومنها هذه الفتافيت، التي أوافقك على أنها شيء آخر في حنجرتي.

*”فتافيت امرأة” قدم نموذجًا للمرأة العربية التي تعاني معوقات تقف أمام حلمها الإنساني في الحرية، فهل تعتقدين أن هذه المرأة يمكن أن تتجاوز ذلك النموذج قريبًا، وهل من فضاء يمكن أن يحتوي كل هذه الثورة التي احتوتها المجموعة؟ وإلى أين تمضي خيارات المرأة العربية الإنسانية في ظل مجتمع ذكوري ينظر للمرأة بتشكك كلما حققت نجاحًا ما؟

– من أعماق الحزن أقول: لا. لقد تراجعت عربة التمرّد القادرة على اجتياز السدود وازدادت المعوقات قوة، واكتسبت أحلامنا مناعة العجز عن اختراق الحجب. إنني حزينة لأن المرأة هي المتراجع الأول، وهي الجسر الذي يبني عليه خصومها مسارهم. لقد شهدت السنوات المنصرمة بعض الانتصارات النظرية، ولكن واقع المرأة العربية اليوم ليس في أحسن مشاهده. بالطبع هناك مؤثرات على الثورة تولد نارها ولكن، وبالمقابل، هناك مياه غزيرة تجهزت لمواجهتها ولإطفاء شعلتها المقدسة. إن المرأة العربية ليست مدعوّة للثورة على غيرها، بل على نفسها أولاً لتخرج من قارورة العطر أو قارورة الزيت التي حبست نفسها فيها. كنت أدعو المرأة للثورة على العقلية الذكورية، وأنا اليوم أدعوها إلى الثورة على ذاتها لأنه ما لم تحقق انتصارها على هذه الذات، فكل انتصار آخر يبدو باهتًا.

التفعيلة والنثر

*تبدو قصيدة التفعيلة وكأنها الأكثر قدرة على التعبير عن هواجسك الشعرية، هل اخترتها عن سابق إصرار، بعدما مررت بالقصيدة العمودية وجربت قصيدة النثر قبل أن ترسو سفنك بشكل نهائي على شواطئ قصيدة التفعيلة؟

– ذلك بالتأكيد هو التأثر بالعام وبالخاص، لقد طفت قصيدة التفعيلة شكلاً مثيرًا وجديدًا للكلمة الشعرية، متناسبة مع حركة الثقافة الذاتية، ومع التحوّل الذي لا مفرّ منه لمن يعايش تجارب الآخرين، فيأخذ منها ويأخذون منه. إن هذا التفاعل كان حتميًا في تجربة مئات الشعراء العرب ولايزال فاعلاً في غالبية مبدعيه، لاتساقه مع التموّج الداخلي للشاعر.

*كيف تنظرين لإنجازات قصيدة النثر على الصعيد العربي، خاصة أنها صارت الخيار المفضل لأكثر الشعراء العرب في السنوات الأخيرة، هل ستلغي قصيدة النثر بقية الأشكال الأخرى؟

– فلنتفق على الاختلاف لأنني لا أرى أن قصيدة النثر قد صارت الخيار المفضل لأكثر الشعراء العرب في السنوات الأخيرة. طبيعي القول أنها قد حققت موقفًا متقدمًا جدًا عمّا كانت عليه في بداياتها، في الستينيات، ولكن قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية لاتزالان خيارًا عريضًا فيما نقرأه. أقول ذلك وأنا واحدة من صاحبات الصوت الشعري في قصيدة النثر، وديواني “قصائد حب” صدر باسمها، وفيه أودعت دفقات غالية من الشعر، ولكنها لم تكن التزامًا نهائيًا.

*لكل جغرافية معدلة مجموعة من الالتزامات التي قد تكون عادات أو تقاليد أو تعاليم دينية أو اجتماعية، هل وجدت نفسك، كمبدعة، وفي لحظة من لحظات إبداعك الجميل متلبسة بالخضوع لهذه الالتزامات؟

– التزاماتي حددتها بنفسي لنفسي سواء في الحياة المعيشة أو في الحياة الثقافية، على تعدد مناحي إبداعها. طبيعي القول إن الإنسان متأثر، وأحيانًا محكوم، بمعطيات فرضتها عليه ثقافته الاجتماعية، ومنها التزامه الديني، ولكن أليس صحيحًا أننا نخلق حدودنا بإرادتنا، ونتمرّد على ما لا نريد حين يلزم. منذ وعيت، أدركت حدودي ورسمت فيها التغيير الذي يتناسب مع إرادتي دون أن أخرج على ثوابت لاتزال عميقة الجذور في كياني، عرفتها وارتضيتها والتزمت بها.

الشعر والاقتصاد

*هل أثرت دراستك المتعمّقة للاقتصاد، باعتباره الحقيقة الممكنة في نصك الإبداعي باعتباره الحقيقة المتخيّلة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؟ سلبًا أو إيجابًا؟ وبالمناسبة أيضًا؛ لماذا كان الإصرار من جانبك على خوض المسار الأكاديمي في مجال الاقتصاد مادامت خياراتك الشعرية قد تحددت منذ فترة مبكّرة من حياتك؟ وعلى الصعيد نفسه: ألا تخشين على عفوية قصيدتك من حذر الاقتصادية لديك؟

– لم أدرك يومًا مثل هذا التأثير، ولم أشعر به ذلك أن دراستي للاقتصاد كانت في حد ذاتها هادفة إلى خدمة المجتمع، وليست مجرد دراسة للمبادئ والنظريات بشكل تجريدي. لقد أدركت منذ بداية وعيي أن الشعر ليس دراسة، وأن الدخول في كلية الآداب لا يخدم قضية الوطن بقدر ما تفعل الدراسة في الميدان الاقتصادي الذي يحتاج إليه بلدي. وقد عرفت من تجارب الشعراء الأطباء والقاصّين الأطباء وكبار الأدباء المتخصصين في رحاب العلوم أن الجمع بينهما ليس بالأمر العجيب أو المستغرب، وفي كل تجارب الآخرين، وفي تجربتي، طغت الكلمة الشعرية على كل الأقاليم الأخرى.

*نعرف أيضًا أنك تمارسين الرسم بروح الهاوية وجدية المحترفة، فكيف نشأت علاقتك مع اللون؟ وما الفرق بين اللوحة والقصيدة في القدرة على التعبير عمّا يعتمل داخلك؟

– علاقة قديمة تزامنت مع الهاتف الشعري وغابت زمنًا لتعود. في اللوحة، وهذا امتيازها الأول، الفضاء الرحب لا يشبه غيره ولا يملك حيزًا يستحيل تجاوزه، بينما في الشعر ذلك قائم. في اللوحة يملك الرسام الفكرة وحرية التعبير دون قيود ودون أن يأخذ في الحسبان عاملاً من خارج الذات.

أنا ونزار

*تعترفين دائمًا بتأثرك الشديد بمدرسة نزار قباني الشعرية، فمتى بدأ هذا التأثر؟ ولماذا نزار قباني بالذات؟ وهل يزعجك إشارة الكثيرين ممن كتبوا عنك إلى علاقة نصك الشعري بالنص النزاري بطريقة اتهامية رغم أن كثيرين غيرك من الشعراء العرب تأثروا بتجربة نزار دون أن يشير لذلك أحد من النقاد؟

– دعيني أبدأ من النهاية فأكرر تساؤلك (رغم أن كثيرين غيرك من الشعراء العرب تأثروا بتجربة نزار دون أن يشير لذلك أحد من النقّاد). هذا التساؤل الذي تطرحين يحمل الجواب، وإن لم يكن يحمل التفسير.

أما في التفسير، فأحسب أن أي قارئ للشعر العربي، وبخاصة الغنائي، يعرف اليوم أن هناك مئات القصائد التي نشرت أو لحّنت أو غنّتها الحناجر مفصلة على المقاس النزاري، ولكن، كما قلت، دون أن يشير أحد من النقاد، ولا يشيرون الآن إلى ذلك. السبب أنني شاعرة عربية من هذه البادية الممتزجة بالبحر، وأن لي نسبًا، لنعترف أنه كبير. لذلك كانت هجمة الجراد البارد على شعري. ولنعترف أيضًا أن هناك من أبناء البلد الواحد، مَن كان يسعده أن يلقي حطبة في النار ليرتاح إلى ما يحسبه الهشيم، دون أن يدري جميع هؤلاء أن موقفهم مني وليس من شعري، وهذا هو اللب، قد زادني إصرارًا على امتشاق الشعر والضرب به، وقد ربحت الرهان.

لا توجد امرأة عربية تفك الحرف، لم تهرول إلى دواوين نزار. وهل تحسبين مئات الألوف من نسخ دواوينه زوّادة الرجال وحدهم. إن دواوين نزار لاتزال الأكثر مبيعًا على امتداد هذا الوطن.

*هل نحن كخليجيين نتاج زواج موفق بين البحر والصحراء، وهل أصبح تراثنا الصحراوي يتغلب على تراثنا البحري في الآونة الأخيرة مما يهدد تلك العلاقة ويؤثر في الشخصية الخليجية التي هي نتاج هذه العلاقة المميزة والدقيقة؟

– أحسب أن هذا التزاوج يواجه خطر الاضمحلال بسبب إهمالنا لتراثنا بحرًا كان أم صحراء. لقد دخلت في تكوين ذواتنا عوامل جديدة خارجية، ويقبلها معظمنا دون تروٍ وينهل منها دون ارتواء مما يشكل خطر الإلغاء للموروث الجميل الذي حدد مفاهيمنا ونفسياتنا.

*كمثقفة، وكواحدة ممن كانوا على تماس عال مع السلطة، كيف تنظرين لعلاقة المثقف بالسلطة في مجتمعاتنا العربية؟

– أرجو ألا يختلط الأمر علينا لأن علاقة المثقف الكويتي بالسلطة مختلفة تمامًا عن علاقة المثقف في الأقطار العربية الأخرى بالسلطة. المثقف في الكويت ينعم بكل ما يحتاج إليه غيره من كفاية وحرية عامة ومن قدرة على الرفض، وجميعها لا تتوافر للمثقف العربي في العديد من مجتمعاته. لا يجوز قياس علاقتنا هنا بالسلطة بمثيلاتها العربيات لأن المواطن الكويتي أساسًا له علاقة متميزة بالسلطة لم تتوافر للعرب الآخرين في معظم تلك البلدان. المثقف العربي في علاقته بالسلطة في بلده يعاني تضييقًا كاملاً على كلمته وعلى حريته وعلى رزقه وليس هذا حالنا والحمدلله.

دار للنشر

*لم تكوني تعانين أبدًا مشكلة على صعيد نشر كتبك عن طريق كبريات دور النشر العربية، ومع هذا فكرت بإنشاء دار نشر خاصة تحمل اسمك؟ فما الأسباب وراء إنشاء هذه الدار؟
وعلى الصعيد نفسه، تميزت الجوائز الأدبية والعلمية التي تقدمها الدار بأنها مخصصة للشباب العربي بالذات. فلماذا هذا التحديد العمري بالنسبة للمتقدمين للجوائز؟ وكيف تقيمون التجربة بعد مرور أكثر من عقد ونصف العقد عليها؟

– لم أؤسس (دار سعاد الصباح للنشر) حتى أنشر ما أكتب، شعرًا أو نثرًا. “دار سعاد الصباح”وجدت لتكون منبرًا للأصوات المبدعة في كل قطر عربي وتشهد لها بذلك مئات العناوين التي صدرت حتى اليوم. لقد تصورت، حين تأسيس الدار، أن بمقدوري إضاءة شمعة ثقافية وأحسب أنني فعلت. وقد قررت أن تكون الدار قاعدة لنشاطات ثقافية متعددة منها المسابقات الثماني التي كنا نستمر في إجرائها سنويًا منذ العام 1988 حتى العام المنصرم حين تحولت لتصبح كل سنتين وذلك لإغناء التجربة وحرصًا مني على سويتها. أما عن الحد العمري (30 عامًا) فهو واضح من ارتباط المسابقات بالجيل الجديد الذي أردت أن أفتح أمامه نوافذ الضوء، قدر المستطاع. الغاية هي خدمة هذا الجيل.

إذن كان الشرط العمري ضروريًا. وأحمد الله بالقول إن التجربة كانت أكثر من رائعة ويكفينا أن عدد المساهمين في مسابقاتنا العلمية والأدبية يتجاوز الخمسمائة مساهم وهذا عدد كبير نفرح لمبادرته إلى إعداد الدراسات أو ابتكار النصوص الجديدة. لقد أصبحت “مسابقات الشيخ عبدالله مبارك الصباح للإبداع العلمي” و”مسابقات سعاد الصباح للإبداع الفكري والأدبي” علامة مضيئة على درب الثقافة العربية والحمدلله.

ومنذ تأسيس الدار وضعت الحدود التي لا أقبل تجاوزها؛لا نشر للنص الذي يتعارض مع القيم، بكل أبعادها. نحن لسنا تجار شنطة ولا حسبت هذه الدار يومًا مصدر دخل، قليل أو كثير. بل هي، كما تعلمين، دار مختصة بالخسارة المالية وبالكسب المعنوي الثقافي. للربح أبوابه وأساليبه وقد نذرت الدار لغرض أكبر من ذلك. وأذكر أنني في بداية التأسيس كنت أستشعر حاجة الكويت إلى رمز ثقافي جامع للأصوات العربية وهذا ما هدفت إليه الدار منذ تأسيسها الذي تم في ذروة محاولات المشوهين تجريد الكويت من سلاحها الثقافي وتوظيف الثقافة في ركب الطغاة. وأحسب أن هذه الدار قد شكلت جسرًا عاليًا للتفاهم الثقافي بين الكويت والمبدعين العرب.

رقيب داخلي

*كيف تتعاملين أنت شخصيًا كمؤلفة وكمبدعة مع الرقيب الداخلي والخارجي؟ هل تتحايلين عليه؟ هل تتجاوبين معه؟ أم أنك ترفضينه أساسًا؟

– لم أحسب يومًا حساب الرقيب الخارجي، تاركة النتائج للتقويم الرسمي دون التدخل في قراره. أما الرقيب الذاتي فلا أحسب أنه كان شديد التحذير والقسوة.  اليوم، أحسب أن العمر والتجربة والاهتمامات المتغيرة تشكل هيكل الرقيب الداخلي.

*أصدرت دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع عددًا من الكتب التكريمية لعدد من رموز ورواد الثقافة العربية الأحياء مثل نزار قباني وإبراهيم العريض وعبدالعزيز حسين وثروت عكاشة وعبدالله الفيصل فلماذا هذه المبادرات بالذات؟ وهل تعتقدين أن أولئك الرواد الذين تحققوا ثقافيًا وتكرسوا إعلاميا بشكل نهائي بحاجة لمن يكتب عنهم في أواخر أيامهم فعلاً؟ ومن خلال التجربة كيف تلقّى أولئك الرواد تلك المبادرات؟

– كلما تقدم العمر بالمبدع، عادت إليه طفولته. هكذا أرى. لذلك فالمبدع شديد التأثر بمبادرة التكريم التي تهدى إليه، كما في الإطار الجميل الذي سبقنا إليه. أنا لا أقدم للمبدع مالاً ولكنني أهديه ما هو أغلى: الشكر عرفانًا بما أعطى، وهو المستحق له خاصة في مجتمعاتنا التي لم تتعود أن توجه الشكر للمبدع. وردات فعل المبدعين الذين كان لي شرف تكريمهم ترقى إلى سوية الخيال وأحسب أنني بهذا التقليد قد زرعت بذرة وفاء.

*نعرف أنك قضيت شطرًا من حياتك الدراسية في أكثر من بلد منذ الستينيات، وحتى الثمانينيات، ماذا بقي في الذاكرة من ملامح ومواقف ومشاهدات في تلك البلدان من تلك الفترة الدراسية؟ وأي البلدان – المدن الآن تفضلين أن تقضي بها جل وقتك؟

– أكاد أجزم بأنني أعرف على هذه الأرض أكثر من نصف مساحتها، وغالبية شعوبها. لا يكاد يمر اسم دولة أو مدينة أمامي إلا وتكون ذكرياتي قد سبقت إليه. لقد أغنت رحلاتي، وبخاصة تلك التي ترافقنا فيها، أبو مبارك وأنا والأولاد، أغنت عقلي وروحي وتركت في أعماقي هدير البحار والأنهار، وبياض الثلوج وعذابات الوجوه وجمال الغابات وصهيل الخيول.أما الذي بقي من ذكريات وعلامات فلا يتسع لها هذا الحيز من الورق لأنها تصلح كتابًا عامرًا بالعطر وبالدمع والحزن والبهاء. يبقى لي أن أقول إن الكويت هي أجمل المدن في عيني، لأن فيها أسرتي وصوتي وصداقات العمر الجميل وذكريات من كان ضوء ليلي الطويل.

آخر السيوف

*لقصيدة “آخر السيوف” التي كتبتها رثاء لرفيق العمر الراحل الشيخ عبدالله المبارك الصباح خصوصية يعرفها كل من اطلع على تجربتك الشعرية بشكل عام. فلماذا هذه القصيدة بالذات اخترت أن تكتبيها وفقًا للنسق العمودي الكلاسيكي؟

– لم يكن لي اختيار. الشاعر قبل سواه يعرف بالتجربة كيف يهطل مطر القصيدة على الروح. وإذا كان لي أن أفسر، وأنا أعترف بأنني لا أحب تفسير شعري حتى لا أسرق دور الناقد، فربما أن نظرتي إلى عبدالله المبارك كسيف كويتي كانت هي السبب.

لقد كان بالنسبة لي جملة من عيون التراث؛ السيف والخيمة ونار الليل المضيفة للعابرين والمنيرة دروبهم، لذلك، ربما، ارتدى الحزن عليه عباءة الشعر المعتقة بالطيب.

الإنسان العربي وحقوقه

*لك اهتمامات كبيرة وواسعة بقضايا حقوق الإنسان. فكيف تنظرين لحقوق الإنسان العربي راهنًا؟ وما الذي يمكن فعله من جانبه ليحصل على كامل حقوقه الإنسانية في ظل حكومات لا تعترف بها؟

– لم تكن قضية حقوق الإنسان العربي في حال أفضل مما هي عليه اليوم. لا أعني أنها في أفضل حال بل هي اليوم أفضل مما كانت عليه بالأمس وأسوأ مما ستكون عليه غدًا. إنني متفائلة بأن نضالنا الذي أسسنا له منذ العام 1982 في مؤتمر قبرص قد بدأ يؤتي ثمارًا طيبة. لقد مضى وقت كانت فيه عباءة “حقوق الإنسان” رديفًا للطرفة أما اليوم فإنها قضية لا يستطيع أي نظام أن يلقي بها من نافذة الحكم. الأهم في رأيي هو موقف المواطن العربي من حقوقه. كان يسمع بها ثم راح يتحدث عنها واليوم هو يعرفها ويطالب بها بل ويسجن من أجلها. لم تعد حقوق الإنسان العربي تسلية سياسية أو إعلامية بل هي قضية في كل دولنا، تتقدم الكثير مما عداها وتحتل الصدارة في المحادثات الرسمية أو البيانات. إنها هناك وهذا هو المهم. يبقى أننا مدعوون إلى العمل الموحد من أجل وضع تعريف واحد لهذه الحقوق والسعي لإقرارها ولجعل هذا الإقرار جزءًا صادقًا من برامج العمل السياسي لمن يحكم ولم يستعد للحكم.

إنني أشعر بفرح غامر وبالاعتزاز عندما أستعيد سيرة الأيام الأولى لنضال كوكبة من الرجال والنساء حملت مهمة إيصال صوت الإنسان العربي إلى أركان السلطة العربية لتصبح حقوق الإنسان العربي شرعة.

سعاد.. الجدة

*نتحدث الآن عن سعاد الصباح في بيتها كأم وجدة. كيف يمكن لك أن ترسمي لنا الخريطة التي تتحركين ضمن حدودها وفقًا لهذه الصفات؟

– أبدأ مع سعاد “الجدة” هذه الكلمة التي تشقي كثيرات ويتهربن منها، لله كم رائعة هي لفظًا وحياة. ليست عندي الكلمات التي تكفي للتعبير عن صباح يبدأ بالتأكد من أن هذا الحفيد أو تلك الحفيدة قد أكملت هندامها للذهاب إلى المدرسة. هل مشطت شعرها؟ هل تناولت الفطور؟ كل واحد يستكمل استعداده وأنا أحمل قلبي وأهرول مستحثة التعجيل حتى يكون الأولاد في المدرسة، في الوقت المحدد لهم. وحين يجيء موعد العودة يبدأ يومي الحقيقي إذ أتفرغ لمتابعتهم ومن بعدها كتابة الوظائف المدرسية ويحين بعدها موعد الراحة، ليليه موسم التسلية والركض في البيت. صدقيني عندما أقول إنني استعدت ثلاثين عامًا من العمر ومن يزرني ويرى كيف يدخل علي هذا الحفيد أو هذه الحفيدة ليشكو أمرًا أو ليطلبه يعرف كيف تستطيع الأحرف المتناثرة كالكلمات المتقاطعة أن تجدد العمر.الأم يتقلص دورها في هذه المرحلة فالأولاد قد كبروا والحمدلله ولكل منهم، الشباب والصبايا، عالمه واهتماماته، وعندما يستشعرون الحاجة إلى النصيحة أعطيها دون أمر.

*أي مشاريع مقبلة تحظى باهتمامك، يا ترى؟ وما هي أحلامك المستحيلة على هذا الصعيد؟

– ليست هناك أحلام مستحيلة. ولا أحاول أبدًا أن أنشغل بهذا. دائمًا كنت أضع في اعتباري العمل والكفاح من أجل هدف قابل للتحقيق إذا ثابرت على السعي وراءه. لذلك، فإن الأحلام المستحيلة لم تأخذ في خيالي حيزًا وإن كان بعضها قد عبر المخيلة في ساعات من ليل على ضفاف بحيرة أو عند طرف سفينة تحمل أطيافها على غيمة ماء. يشغلني اليوم، كما بالأمس، هذا الوطن وإنسان هذا الوطن وكيف يمكن أن أبني مع البناة، عالمًا جميلاً طاهرًا ومفعمًا بالمحبة والتراحم والعطاء اللامحدود من أجل حياة أنبل وأكثر ديمومة وهناء. لقد حلمت فعملت من أجل سعادة الآخرين وكنت وماأزال أرى سعادتي عبر ضحكة على وجه امرأة أو بسمة في عيني طفل. وعندما أعرف أنني قد أضفت قطرة ندى على ابتسامة إنسان أكون قد حققت ذاتي وامتلأت بنعمة الله عليّ.

(مجلة العربي 1فبراير 2005)

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

حرية التعبير على الطريقة الفرنسية

سعدية مفرح/ ثاني أسوأ تصريح فرنسي صدر في خضم أزمة الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للنبي محمد،…