الرئيسية / وداع / بعد أن غنى للهوى القتال.. أغنية غادرنا ممدوح عدوان

بعد أن غنى للهوى القتال.. أغنية غادرنا ممدوح عدوان

“غادرنا ممدوح عدوان.. ها هو السرطان ينتصر مر اخرى.

يالصباحات الحزن الباكرة عبر هذه الرسالة الهاتفية القصيرة موقعة باسم الصديقة اليقظة دائما نور القطحاني.
مات الشاعر إذا.. وعلينا الآن ان نتعامل مع الخبر بتجرد الصحافي، وسرعته المفترضة في الكتابة وتجميع الشتات الحزين رثاء للراحل المتعدد في اتساع الموهبة التي لم تخذل صاحبها حتى تحت وطأة المرض المميت. في آخر لقاء تلفزيوني له عبر برنامج “خليك بالبيت” ظهر ممدوح عدوان متحاورا مع زاهي وهبي بنفسية المحارب الأخير ولكن بتفاؤل المنتصر أبدا.. تحدث عن مرضه كمن يتحدث عن عدو ما من صداقته بد، وأبدى ثقة لا محدودة بالعلم الحديث وبأطبائه الكثيرين وهم سادرون في تعاملهم مع سرطان احتل الجسد على حين غرة من صاحب الجسد المشاكس على كل جبهات الكتابة بالحيوية ذاتها.
في سنوات الحرب العالمية الأولى ولد ممدوح عدوان، وها هو يموت في سنوات حروب عالمية لا تواريخ محددة لبداياتها ونهاياتها.. بعد ان أيقن ان لا شيء قادر على ان يوقف الغياب عن ان يحتل مساحته المفضلة في جغرافيات البشر.. حتى لو كان هذا الشيء هو الكثير من الشعر والنثر والروايات والمقالات والمسرحيات والمسلسلات.. والنكات والضحكات التي درج الشاعر على اختراعها كتابة وسبيل عيش أيضا.
انها إذا أدوات لاستدراج المزيد من الحياة في مساحات كونية للموت.. وربما لهذا كان فجا وحالماً في آن عندما وضع ملامح خطته المحكمة – هكذا تصورها – لمعركته الأخيرة – في “كتاب الموت”.

يقول:

إننا ننهض عن مائدة العمر ولم نشبع
تركنا فوقها منسف أحلام.
نحن أكملنا مدار العمر فرسانا
وقد متنا شبابا.

وممدوح عدوان الذي رحل فجر أمس عن 63 عاما وما يقرب من ثمانين كتابا مطبوعا ظل دائما قادرا على رفد كيانه المتعدد بما يجعله يعيش الحلم وكأنه الواقع، ويعيش الواقع وكأنه الحلم دون ان يتخلى عن مهمته في التقريب بين الاثنين بالمزيد من الكتابة، وردم الهوة التي يستشعرها في عيون البشر بين الحلم والواقع بقصيدته المتجاوزة لحدود ممكنها الفني دائما حتى وان عبرت عن ذاتها بمسرحية او بمقالة صحفية، او بمسلسل تلفزيوني او دراسة نقدية. يقول: “أنا بالدرجة الأولى شاعر، وأظن ان كل ما أكتبه لا يخلو من لمسة شعرية، لكن بقية الفنون أتعامل معها بشكل مستقل، أي أنني عندما اكتب مسرحا أحاول ان أنسى ممدوح عدوان الشاعر، واكتب بشروط المسرح، وعندما اكتب مقالا صحفيا أنسى أيضا أنني شاعر، ومسرحي، واكتب المقال الصحفي بشروط المقال الصحفي ولغته، وأتوجه الى القارئ على هذا الأساس.
اعتقد انه في كل كتاباتي المتنوعة توجد لمسة من الشعر، مع أنني في كل كتابة التزم بقواعد الفن الذي اكتبه”.
لكن هذا الالتزام الفني الذي يبديه ممدوح عدوان تجاه كل كتابة يشرع بها، لا يعني شيئا على الإطلاق أمام “لا التزامه” الواقعي تجاه الحياة بكل تنوعاتها الذاهبة به من منابع الطفولة الأولى في قريته الوادعة “قيرون” وحتى لحظة الغياب المدوي فجر أمس بعد ان غنى للهوى القتال أغنية.. على طلل يصير ركام!

مؤلفاته

ترك ما يزيد على 80 كتابا بالإضافة الى عدد من المسلسلات التلفزيونية ومن أشهر مؤلفاته:

المخاض – مسرحية شعرية – دمشق 1967.
الظل الأخضر – شعر – دمشق 1967.
الأبتر – قصة – دمشق 1970.
تلويحة الأيدي المتعبة – شعر – دمشق 1970.
محاكمة الرجل الذي لم يحارب – مسرحية – بغداد 1970.
الدماء تدق النوافذ – شعر – بيروت 1974.
اقبل الزمن المستحيل – شعر – 1974.
أمي تطارد قاتلها – شعر – بيروت 1977.
يآلفونك فانفر – شعر – دمشق 1977.
ليل العبيد – مسرحية – دمشق 1977.
هملت يستيقظ متأخرا – مسرحية – دمشق 1977.
زنوبيا تندحر عدا – مسرحية.
لو كنت فلسطينيا – شعر.
مذكرات كازنتزاكي – ترجمة – جزءان – بيروت 1980 – 1983.
حكي السرايا والقناع – مسرحيتان – دمشق 1992 – اتحاد الكتاب العرب.
من شعره:

سئمت مناجاة روحي

أغني للهوى القتال أغنية
على طلل يصير ركام
أغني كي أنقب في بقايا الصمت عن أشلاء مجزرة.
يغطيها اخضرار كلام
وها أني عثرت الآن
على شيء سأفعله بلا استئذان
أموت
لكي أفاجئ راحة الموتى
واحرم قاتلي من متعة التصويب
نحو دريئة القلب
الذي لم يعرف الإذعان
سأحرم ظالمي من جعل عمري
مرتعا لسهام أحقاد
وأرضا أجبرت ان تكتم البركان
أموت
وقد نزفت مخاوفي
لم يبق مني غير جلد فارغ
قد صار كيسا فيه بعض عظام
فصائغ بأسى المقرور فرغني من الأحلام.
سيرة الشاعر الفقيد

ولد ممدوح عدوان عام 1941 في بلدة “قيرون” بمصياف حيث تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي فيها قبل ان يحصل على درجة الإجازة في اللغة الانكليزية من جامعة دمشق ويلتحق بالعمل الصحفي الأدبي الذي كتب خلاله عددا من النصوص التلفزيونية منها “الزير سالم” و”دائرة النار” و”جريمة في الذاكرة”. وحصل عدوان على العديد من الجوائز الثقافية والأدبية تقديرا لعطائه الكبير للثقافة العربية وهو عضو في اتحاد الكتاب العرب واتحاد الصحافيين وعضو جمعية الشعر وتم تكريمه قبل أشهر في مهرجان دمشق.

وأنجز عدوان خلال فترة عطائه الممتدة ما يزيد على 80 مؤلفا توزعت بين 71 مجموعة شعرية و26 مسرحية و16 مسلسلا وروايتين فضلا عن ترجماته المهمة عن عدد من اللغات العالمية والمقالات.
ومن ابرز انجازات الكاتب في الترجمة “مذكرات كازانتزاكيس” و”تقرير الجريكو” وترجمة لملحمة “الإلياذة” وجزء من ملحمة “الأوديسة”.
وألف عدوان خلال حياته الأدبية عدة كتب منها “المخلص” و”الظل الأخضر” و”الأبتر” و”تلويحة الأيدي المتعبة”.
و”محاكمة الرجل الذي لم يحارب” و”الدماء تدق النوافذ” و”اقبل الزمن المستحيل” و”أمي تطارد قاتلها” و”ليل العبيد” و”هاملت يستيقظ متأخرا” و”زنوبيا تندحر عدا” و”لو كنت فلسطينيا” و”حكي السرايا” و”القناع”.
ومن المقرر ان تشيع جنازة الأديب الراحل اليوم في مسقط رأسه بشمال سوريا.

“زواريبه”.. الأخيرة

قبل أسبوعين تقريبا كان الجمهور الكويتي على موعد مع العرض الأخير لإحدى مسرحيات ممدوح عدوان وهو ما زال على قيد الحياة، حيث عرضت مسرحية “زواريب” يومي الثامن والتاسع من ديسمبر الجاري ضمن فعاليات مهرجان القرين الثقافي وهي مونودراما من إخراج روجيه عساف وتمثيل رفيق علي احمد.. وفي كلمته التقديمية لهذه المسرحية كتب عدوان:
يذكرني توتري الآن، وأنا أواجه تجربة تقديم نص آخر لي على المسرح، بأيام الدخول الى الامتحان الشفوي في المدرسة. ويخفف من حدة هذا التوتر ثقتي بأنني اسلم نصي لأيد أمينة ومتمرسة.
وإذا كان هناك من يشبه إحساس الكاتب ـ تجاه تسليم نصه للمخرج والممثل ـ بإحساس الأم التي تترك ابنها بين أيدي الغرباء، فإنني أحس ان ابني ـ نصي المسرحي هذا ـ ليس بين أيدي غرباء، بل هو يذهب هذه المرة الى المدرسة لكي يتعلم. إذ لا شك في ان خبرات من الفنانين المبدعين روجيه عساف ورفيق علي احمد ستضيف الى النص وتتجاوز ما يمكن ان تكون فيه من ثغرات ونواقص.
إنني انظر الى هذه التجربة على انها خطوة في الطريق الصحيح للبحث عن فن عربي له هويته وخصوصيته، وذلك من خلال التعاون الجدي بين المثقفين والمبدعين. كلي أمل في ان تتلو هذه الخطوة خطوات اخرى من التعاون المثمر والبناء.

(القبس – 21 ديسمبر 2004)

عن Saadiah

شاهد أيضاً

سر حبنا فيه!

    لم يكن سر حبنا فيه غامضاً، فقد انكشف منذ زمن طويل على مساحة شاسعة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.