‫الرئيسية‬ فواصل الشعر والشك .. واليقين

الشعر والشك .. واليقين

سعدية مفرح/

“هل من المهم والضروري أن يكون الشاعر على يقين بشعريته؟ أم من الأحسن أن يكون على شكّ بها حتى لا يُصاب نصّه بالسكتة الشعرية، وحتى لا يُصاب هو بالسكتة الإبداعية؟” سألتني صحافية شاعرة في سبيل بحثها عن العلاقة بين الشعر والشك واليقينية، فأجبتها: لا أملك إجاباتٍ حاسمةً في مسألة الشعر. ولست بصدد البحث عن مثل هذه الإجابات الحاسمة أو القاطعة. أشعر دائماً بأنني أعيش حالة من المراوغة، عندما أكون في منطقة الشعر، وفي الظلال وحدها أجد إجاباتي الملتبسة، بل وربما أسئلتي الملتبسة أيضاً.

لست على يقين من شعريتي، ولا شعرية غيري، أصلاً. هذا اليقين الذي يتحدّث عنه السؤال يبدو حلماً مستحيلاً، والأحلام المستحيلة من الأفضل أن تحتفظ باستحالة تحققها حتى تحتفظ بجماليتها.

شعرياً.. أعيش في شك دائم؛ فكلما خطر لي خاطر شعري، كنت أشكّ في أنني أستطيع تحويله إلى قصيدة. وكلما بدأت بكتابة قصيدة أشكّ في أنني أستطيع إكمالها، وكلما انتهيت من كتابة قصيدة بشكل نهائي، أشك في أنني أستطيع كتابة غيرها.. أشعر بأنها قصيدتي الأخيرة، بل لعلي لا أبالغ عندما أقول إنني كلما انتهيت من نشر كتاب جديد أشعر بأنه سيكون كتابي الأخير. والشكّ يتطور غالباً بأثر رجعي، فأتساءل مثلاً: كيف بدأت كتابة تلك القصيدة؟ من أين بالضبط بدأت كتابتها؟ من أي كلمةٍ أو جملةٍ أو صورة أو إيقاع؟

قصيدتي لا تنتظرني عند الباب، لكن الغريب أيضاً أنني لا أعيش في حالة انتظار لها، ولا أسمح لنفسي بأن أكون رهناً لمزاجيتها ونزقها، فهي تأتي من دون مواعيد مسبقة، وأنا أيضاً لا أقلّ عنها نزقاً ومزاجية. فلتأتِ أو لا تأتِ أبداً.. فلتكن قصيدة.. أو لا تكن أبداً.

بعد أن انتهيت من كتابة إجابتي عن السؤال، كانت أسئلة أخرى تنتظرني، متولّدة منها، لكنني لم أكن لأستطيع الإجابة عنها، أو حتى الاحتفاظ بها طويلاً، بحثاً عن إجاباتٍ لها لاحقاً. أسئلة القصيدة ينبغي أن تبقى كذلك، وأن تتجدد ذاتياً بلا إجابات، وبلا انتظار لإجابات، وبلا حلم يتحقّق لها وفيها على سبيل الإجابات. الشعر شكٌّ دائم، والقصيدة احتمال وحسب.لا يقين لدى الشاعر، ولا ينبغي أن يكون لدى المتلقي أيضاً. اليقين الوحيد الذي كنت دائماً أشعر به وأنا بصدد مناقشة أسئلة الشعر الكثيرة، والتي تتناسل غالباً بعضها من بعض، وتتغير من بين البيت والبيت، وربما ما بين الكلمة والأخرى، هو أن الشعر لا يمكن أن يكون إجابةً عن سؤال مهما كانت نوعية ذلك السؤال. الإجابة عادة تأتي لتكون نهاية الحالة والشعر حالة سرمدية لا منتهية، ولا يمكن أن تكون منتهية، حتى لا تموت القصيدة قبل أن تصل إلى متلقيها. كنت، وما زلت، أقف عند ذلك الخاطر كلما قرأت واحدةً من القصائد العظيمة، بحثاً عن نقص أو ثغرة أو عيب صغير، فلا أجد. لكنني أبداً لا أنشغل بإجابات الشعر الافتراضية على أسئلتي المتخيلة، ليس فقط لأنني عجزتُ دائماً عن وجود مثل هذه الإجابات، حتى كففت عن البحث عنها، ولكنني أيضاً لأنني اكتشفت، في النهاية، أنها إجاباتٌ غير موجودة أساساً. من قال إن لكل سؤال جواباً؟ السؤال حالة بحث عن كمال سرمدي، لكن الإجابة تبقى مجرد أداة قتل.. مهما كانت مريحة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

حرية التعبير على الطريقة الفرنسية

سعدية مفرح/ ثاني أسوأ تصريح فرنسي صدر في خضم أزمة الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للنبي محمد،…