‫الرئيسية‬ سينما البريء؛ المشهد القتيل.. المنتصر أخيرا
سينما - 22 سبتمبر، 2018

البريء؛ المشهد القتيل.. المنتصر أخيرا

كلما رأيت فيلم البرئ في السنوات الأخيرة وخصوصا بعد أن عادت إليه نهايته المغتالة رقابيا، تعجبت من التحولات الفكرية، والفنية التي ألمت بكاتبه السيناريت وحيد حامد منذ بداية التسعينيات وحتى الان. فمقولات الفيلم الفكرية لاتتفق بل تتناقض مع مقولات حامد في العشرين سنة  الماضية تصاعديا حتى تصل الى اوجها الى ما قبل الثورة المصرية، التي نعيش أحداثها وتداعيتها هذه الايام، بقليل.

ينتظم فيلم البريء في سلسلة من الافلام الطلائعية التي قدمها حامد في الثمانينات وساهمت في تكوين حركة سينمائية فنية نهضت بالفن السابع من سباته السبعيني الغارق في ملذات التصوير  الإغرائي وحده الى أن يكون متعة جماهيرية واعية وناقدة في الوقت نفسه.

كان المخرج عاطف الطيب قد أهدى جماهير السينما العربية عددا لا بأس به من أفلام صافية في رؤاها من دون ان يفسدها بالمباشرة والوعظية الاخلاقية، وعندما تصدى لإخراج فيلم البريء الذي عرض في العام 1986، كان يعرف، كما يبدو، أنه يقدم واحدا من الافلام التي تحاول تفسير الواقع المرير وتنتقده بدلا من نبريره وتجميله.

يومها كانت مصر تنفتح على دهشة السياسة الانفتاحية ، وكانت الافلام تبحث عن هوية مصرية خالصة، وكان وحيد حمد في قمة تألقه الكتابي، وكان عاطف الطيب يتلمس خطواته الأولى على طريق التفرد، وكان العبقري أحمد زكي قد وصل الى حدوده الأبهى في فن التمثيل. أما الفيلم، الذي لم يسلم من الهنات رغم الأسى الشفيف الذي ينسى مشاهده كل نقيصة فنية فيه حتى حين، فقد كان فتحا إبداعيا ساهم في تعرية فكرة الرقابة المسبقة على الفن. ولعله الفيلم الأول، وربما الأخير، الذي يتقرر ان يشاهده، قبل المشاهدين، وزراء الداخلية والعالام والدفاع، فيقررون، بدا من كاتبه ومخرجه وبقية صناعه، ان يعيدون كتابة مشهده الاأخير.. فيحذفون منه تلك النهاية لأنها لم تعجبهم، ولأنها أخافتهم ، ولأنهم فهمواها جيدا، ولأنهم ظنوا واهمين أنهم ينتصرون على قيم الفن بالمقص.. ونجحوا مؤقتا..لكنهم فشلوا أخيرا.

عرض الفيلم لمدة عقدين من الزمان تقريبا في السينما وفي التلفزيون منقوص النهاية، وفقا لرغبات السلطة ممثلة بوزرائها الخائفين، ولكن المشهد عاد قبل سنوات قليلة عندما اضطرت الدولة المصرية الى الاعتراف به  في ظل انتشاره أكثر من انتشار الفيلم نفسه عبر وسائل التواصل الجديدة في الانترنت، وكان من الطبيعي عودة المشهد إذن ليحط ركابه في سياقه الحقيقي من الفيلم، وليكتمل أداء أحمد زكي الرهيب وصولا الى قمته في الختام القاتل ..القتيل.

الفيلم يحكي قصة المجند الريفي البسيط والساذج احمد سبع الليل، وهو بالتأكيد أحمد زكي، والذي تضعه أقداره العسكرية المخطط لها  حارسا لمعتقل صحراوي ممتليء بممثلين عن كل أطياف المجتمع المصري الرافضين، قصدا أو عن غير قصد، لممارسات السلطة الديكتاتورية. لكن ثقافته الضيقة والتي لا تتعدى حدود قريته المنسية في الريف المصري البائس تجعل من سبع الليل ضحية سهلة للنظام الأمني الذي يحوله الى آله مبرمجة تتحرك بواسطة الريموت كونترول الذي يمسكه النظام. وعندما يقول النظام لهذه المجند ان هؤلاء المعتقلين ما هم أعداء للوطن، يصدق سبع الليل المقولة بطريقة آليه ، ويتفانى في  تعذيبهم وكأنه يقوم بالدفاع عن الوطن، بل ويزايد على النظان نفسه بطريقة ساذجة عندما يرى من الواجب قتلهم بدلا من مجرد تعذيبهم. وهكذا يجتهد في تطبيق ما فهمه من رؤسائه الغارقين في تناقضاتهم الانسانية والتي تصل برئيس المعتقل، الذي يؤدي دوره بحساسية عالية الفنان محمود عبد العزيز، الى درجة الفصام وهو يتقلب في ممارساته ما بين نقيضين يتناوبان على زمنه في المعتقل وزمنه خارجه.

لكن الحقيقة تتكشف، وتعود الآلة الى بشريتها بحركتين نجح المخرج في خلقهما وسط أجواء الفيلم ذات الطبيعة القاتمة، أولهما انتزاع الناي الذي يعشه سبع الليل من يده، فيموت النغم الفطري لصالح البندقية الغاشمة وتنكسر الروح داخل هذا البريء نصف انكسارة تكتمل لتنسحق تماما عندما تأتي دفعة جديدة من المعتقلين يكتشف البريء من بينهم صديقه حسين وهدان، الشاب الجامعي الوحيد في القرية، والذي يحبه سبع الليل كثيرا ، ويؤمن به ايمانا يفوق أيمانه بالوطن المزيف. هنا فقط يبلغ الفيلم ذروته الدرامية والتي أفسدت بعض لحظاتها الانسانية الميلوردامية المبالغ فيها احيانا. فينحاز البريء للبراءة بمعناها الواعي، وعندما يموت صديقه بين يديه بعد ان رفض تعذيبه وسجن معه، تبزغ شمسه المغيبة طويلا ، ويكتشف ذاته من خلف أسوار المعتقل، فتعود نغمة الناي الحزينة، وينتشي بها وهو يثور على ذاته وعلى النظام كله فيوجه بندقيته صوب زملائه من العسكر وهو يقتادون مجموعة جديدة من المعتقلين الجدد الى المعتقل.

ينتهي الفيلم كاملا بذلك المشهد الا بعد ان يموت البريء على يد بريء جديد أخر في اشارة الى تناسل النظام وتواتر الظلم ، لكن أغنية الحرية تستمر بقبضات المعتقلين الجدد وهم يدقون جدار الحافلة المغلقة عليهم بانسجام تام مع موسيقى الفيلم التي وضعها عمار الشريعي بإبداع ذكي بلغ أوجه في الحان الاغنيتين اللتين كتبهما الشاعر عبد الرحمن الأبنودي لتكونا احدى لحظات النوير الجميل في الفيلم.

بقى أن نشير الى لوحة افتتاحية تقول “وقائع هذا الفيلم لاتمثل الحاضر”، وكان على من كتبها ان يكملها فتصير: وقائع هذا الفيلم لا تمثل الحاضر فقط بل تمثل الماضي والمستقبل أيضا.

(شرفات عمان/ 19 يوليو 2011)

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

حرية التعبير على الطريقة الفرنسية

سعدية مفرح/ ثاني أسوأ تصريح فرنسي صدر في خضم أزمة الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للنبي محمد،…