الرئيسية / وداع / أيوب حسين.. ذاكرة الكويت الملونة

أيوب حسين.. ذاكرة الكويت الملونة

كان ذلك في بداية تسعينيات القرن الماضي.. في طريقي إلى افتتاح معرض للفنان أيوب حسين استوقفني الأستاذ جاسم المطوع رحمه الله، رئيس تحرير جريدة الوطن التي كنت أعمل فيها آنذاك، ليطلب مني أن أحجز له إحدى لوحات المعرض التي كان قد رأى صورة لها في الجريدة أو الكتيب المرافق للمعرض قبل الافتتاح.

لماذا هذه بالذات.. لا تبدو مميزة عن غيرها كثيرا؟، سألته فقال؛ “علشان باكيت السجاير اللي فيها.. نفس باكيت أبوي الله يرحمه”..

هكذا كل عشاق لوحات أيوب حسين التراثية، وكل لوحاته تقريبا من ذلك النوع، فكل واحد منهم يبحث بين ثنايا اللوحات عما يخصه منها، وكأن أيوب حسين كان موكلا بالتقاط ما تساقط من كل ذاكرة فردية ليرسمه ويجعل منه جزءا من الذاكرة الجمعية للكويتيين، خاصة وأن كل شيء بالنسبة له كان صالحا للرسم في مشهدية حية وحوارات مستمرة حتى رغم أنها متخيلة ما بين الماضي والحاضر.

فطن الفنان الراحل أيوب حسين رحمه الله مبكرا لموهبته في الرسم فحاول منذ البداية أن تكون له شخصيته الخاصة فيها حيث اهتم بتسجيل التفاصيل المشهدية لما يرسمه على حساب جودة الرسم نفسه غالبا، فقد كان مسكونا بتاريخ لم يكن بالنسبة له وهو يتعايش معه في الواقع والتشكيل إلا حاضرا يجب أن يراه الآخرون من الأجيال اللاحقة له كما يراه هو.. ولذلك فقد حرص بأناة ودأب على رسم كل شيء يتذكره كما يبدو بأسلوب فوتوغرافي لم يكن ليهتم فيه كثيرا بأساليب الفن الحديث ولا نظريات نقاده، فكل ما كان يهمه أن يعيد بناء ذاكرته عبر التشكيل اللوني  من خلال رسم مفردات الواقع الذي عاشه طوال سنوات عمره التي زادت على العقود الثمانية من الزمن.

إنه الحنين إذن.. ذلك الذي طارده هذا الفنان المغرم بذاكرته في كل ما رسم. وهو الحنين نفسه الذي جعل من كل من يطلع على لوحاته يبحث فيها عما يخصه ويعيد تشكيل تاريخه الشخصي.. كان الجميع يجد في لوحاته البسيطة شيئا من ذكرياته القريبة والبعيدة. ولعل نقاد الفن التشكيلي يجدون في تلك اللوحات من “العيوب” الفنية الكثير لكن “الحالة” التي كانت تصنعها لوحاته لم تكن لتسمح لأحد بتجاوزها نحو النظريات الفنية. فلم تكن لوحات أيوب حسين مجرد فن تشكيلي بل كانت تاريخ وذاكرة وحنين يطل علينا من شقوق الزمن عبر الألوان وحدها.

في ما يخصني، تعلقت بلوحة من لوحاته رأيت صورتها منشورة في جريدة، فاحتفظت بها حتى الآن لعلي أصادف اللوحة نفسها ذات يوم ويسعدني الحظ باقتنائها. لوحتي المشتهاة من تشكيل أيوب حسين عبارة عن مشهد صباحي في بيت قديم تتوسط إحدى الغرف فيه مكينة خياطة. كانت تلك اللوحة في المشهد الذي رسمها فيه نسخة من مكينة والدتي رحمها الله.. وكلما طالعت الوحة شعرت وكأن والدتي للتو غادرت المكان وتركت النفنوف الذي كانت تخيطه منسدلا على المكينة بنيما تنسرب الخيوط من درج طاولة المكينة الصغير المفتوح دائما.. أتعلق بالمشهد بانتظار عودة أمي رحمها الله لتكمل خياطة النفنوف.. وتعطيني إياه لأضع اللمسة الأخيرة عليه كما عودتني.. تثبيت الأزرار بالإبرة والخيط!

رحم الله أيوب حسين ورحم والدتي ورحم كل من رحل عن دنيانا تاركا لنا حنينا لا ينتهي راكدا في زوايا الذاكرة تحركه بين الحين والحين رياح الكلمات والألوان.. والأشياء الأخرى التي لا تسمى!

القبس 18 نوفمبر 2013

عن Saadiah

شاهد أيضاً

سر حبنا فيه!

    لم يكن سر حبنا فيه غامضاً، فقد انكشف منذ زمن طويل على مساحة شاسعة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.